الخطيب الشربيني
633
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عليهم السلام ، وأيضا الضحى وقت السرور والليل وقت الوحشة ففيه إشارة إلى أنّ سرور الدنيا أقل من شرورها ، وأنّ هموم الدنيا أدوم من سرورها ، فإنّ الضحى ساعة والليل ساعات . ويروى أنّ الله تعالى لما خلق العرش أظلت عمامة سوداء ونادت ماذا أمطر ؟ فأجيبت : أن امطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم والأحزان دائمة والسرور قليلا ونادرا ، وقدّم ذكر الضحى وأخر الليل ؛ لأنه يشبه الموت . وقوله تعالى : ما وَدَّعَكَ ، أي : تركك يا أشرف الرسل تركا تحصل به فرقة كفرقة المودّع ، ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع رَبُّكَ ، أي : المحسن إليك جواب القسم وَما قَلى ، أي : وما أبغضك بغضا ما ، وتركت الكاف لأنه رأس آية كقوله تعالى : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ [ الأحزاب : 35 ] أي الله . تنبيه : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال : أحدها : ما روى البخاري عن جندب بن سفيان قال : « اشتكى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ليلتين أو ثلاثا فجاءت أمّ جميل امرأة أبي لهب ، فقالت : يا محمد ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث » « 1 » فنزلت . ثانيها : ما روى أبو عمرو قال : « أبطأ جبريل عليه السلام على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حتى شق عليه فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو وأنزل عليه الآية » . ثالثها : ما روي « أنّ خولة كانت تخدم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقالت : إنّ جروا دخل البيت فدخل تحت السرير فمات فمكث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : يا خولة ما حدث في بيتي إنّ جبريل عليه السلام لا يأتيني ؟ قالت خولة : فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبيّ الله صلى اللّه عليه وسلم ترعد لحياه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة ، فقال : يا خولة ، دثريني فأنزل الله تعالى هذه السورة « 2 » . ولما نزل جبريل عليه السلام سأله النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التأخير فقال : أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة » « 3 » . رابعها : ما روي « أنّ اليهود سألوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله ، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] فأخبره بما سئل عنه ، وفي هذه القصة نزلت ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ » « 4 » واختلفوا في مدّة احتباس الوحي عنه . فقال ابن جرير : اثنا عشر يوما . وقال ابن عباس : خمسة عشر يوما . وقال مقاتل : أربعون يوما . قالوا : وقال المشركون : إنّ محمدا ودّعه ربه وقلاه فأنزل الله تعالى هذه السورة فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « يا جبريل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4950 ، ومسلم في الجهاد حديث 1797 . ( 2 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 361 ، والقرطبي في تفسيره 2 / 93 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 138 ، والطبراني في المعجم الكبير 24 / 249 . ( 3 ) أخرجه البخاري في اللباس حديث 5960 . ( 4 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 20 / 93 ، والبغوي في تفسيره 5 / 265 .